تبلیغات
کلام من القلب الی القلب - عبادة الإمام علی زین العابدین (علیه السّلام)
علی مع الحق والحق مع علی


عبادة الإمام علی زین العابدین (علیه السّلام)

قلنا إنه من أشهر ألقاب الإمام علی بن الحسین (علیهما السلام) السجاد وذی الثفنات. فالسجاد على وزن فعّال تعنی كثرة السجود لأنه كان یقضی معظم أوقاته فی الصلاة التی قال عنها جده النبی المصطفى (صلّى الله علیه وآله وسلّم) إنها قرة عینه.

وأما تسمیته بذی الثفنات، كما جاء فی الكافی للكلینی، إن الإمام الباقر (علیه السّلام) قال: كان لأبی فی موضع سجوده آثار ثابتة یقطعها فی كل سنة من طول سجوده وكثرته. وفی روایة الصدوق أنه كان یقطعها ویجمها وأوصى أن تدفن معه فی قبره.

جاء فی مصادر عدة أنه (علیه السلام) كان إذا توضأ للصلاة یصفر لونه، فیقول له أهله: ما هذا الذی یعتادك عند الوضوء؟ فیقول: تدرون بین یدی من أرید أن أقوم؟

وإذا قام إلى الصلاة أخذته الرعدة، ویقول: أرید أن أقوم بین یدی ربی وأناجیه فلهذا تأخذنی الرعدة.

ومرة وقع حریق فی البیت الذی هو فیه وكان ساجداً فی صلاته فجعلوا یقولون: یا بن رسول الله النار، النار، فما رفع رأسه من سجوده حتى أطفئت، فقیل له: ما الذی ألهاك عنها؟ فقال: نار الآخرة.

أجمع الرواة عن كثرة عبادته وصلاته فجاء عن الكلینی فی الكافی قال: كان یصلی فی الیوم واللیلة ألف ركعة حتى مات ولقب بزین العابدین لكثرة عبادته وحسنها(1).

وعن خشوعه وتقاه. قال أبو عبد الله (علیه السلام): (كان أبی یقول: كان علی بن الحسین صلوات الله علیهما إذا قام فی الصلاة كأنه ساق شجرة لا یتحرك منه شیء إلا حركه الریح منه).

ومن نظر إلیه وهو یصلی یخاله شبیهاً بأبیه الإمام الحسین (علیه السّلام) وبجدیه علی بن أبی طالب والنبی محمد الرسول الأكرم (صلّى الله علیه وآله وسلّم). قال أبو حمزة الثمالی: (رأیت علی بن الحسین (علیهما السّلام) یصلی فسقط رداؤه عن أحد منكبه، قال: فلم یسوِّه حتى فرغ من صلاته قال: فسألته عن ذلك. فقال: ویحك أتدری بین یدی من كنت؟ إن العبد لا یقبل من صلاته إلا ما أقبل علیه منها بقلبه)(2).

وقال الإمام الباقر (علیه السّلام):

(كان علی بن الحسین یصلی فی الیوم واللیلة ألف ركعة وكانت الریح تمیله بمنزلة السنبلة، وكانت له خمسمائة نخلة وكان یصلی عند كل نخلة ركعتین، وكان إذا قام فی صلاته غشی لونه لون آخر، وقیامه فی صلاته قیام عبد ذلیل بین یدی الملك الجلیل، كانت أعضاؤه ترتعد من خشیة الله، وكان یصلی صلاة مودع یرى أنه لا یصلی بعدها أبداً)(3).

وجاء فی المصدر نفسه قال:

(كان الإمام السجاد خریطة فیها تربة الحسین إذا قام فی الصلاة تغیر لونه فإذا سجد لم یرفع رأسه حتى یرفض عرقاً)(4).

وقال الإمام الصادق (علیه السّلام):

(ولقد دخل أبو جعفر على أبیه (علیه السّلام) فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم یبلغه أحد وقد اصفر لونه من السهر ورمضت عیناه من البكاء ودبرت جبهته من السجود وورمت قدماه من القیام فی الصلاة. قال: فقال أبو جعفر: فلم أملك حین رأیته بتلك الحال من البكاء فبكیت رحمة له وإذا هو یفكر فالتفت إلى هنیة من دخولی فقال: یا بنی أعطنی بعض تلك الصحف التی فیها عبادة علی (أمیر المؤمنین) فأعطیته فقرأ فیها یسیراً ثم تركها من یده تضجراً وقال: من یقوى على عبادة علی بن أبی طالب)(5).

قال الزهری: (كان علی بن الحسین (علیه السّلام) إذا قرأ (ملك یوم الدین) یكررها حتى یكاد یموت)(6).

وكان الإمام السجاد یسجد على تربة الحسین (علیه السّلام) لأن السجود علیها یخرق الحجب السبع ویقبل الله صلاة من سجد علیها ما لم یقبله من غیرها(7).

ذلك أن الله تعالى فضل تربة سید الشهداء على سائر البقاع حتى بیته المعظم. جاء فی الحدیث: إن أرض الكعبة افتخرت بنسبتها إلیه جل شأنه فأوحى إلیها الجلیل تعالى أنی خلقت أرضاً لولاها ما خلقتك ولولا ما تضمنته ما خلقت البیت الذی افتخرت به)(8):

فاسجــــد عــلى تربته القدسیة          فإن فیها الفـــــضل والمــــزیة

فنورها یخـــــرق سـبع الحجب          یفــــوق نــــور نیرات الشهب

ما سجد الصادق مـــهما صلى          إلا علیـــــها وكفانا فضلا(9)

ولما شاهدته عمته فاطمة بنت علی بن أبی طالب ما ناء به من الجهد فی العبادة خافت علیه من أذیة نفسه وهلاكها وهو بقیة السلف وحمى الأمن ومعقد الآمال ومفزع المستجیر فاتت جابر بن عبد الله الأنصاری، وهو خاصتهم وصاحب جدهم رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلّم). فلعله یستطیع أن یخفف العناء والجهد عن الإمام السجاد, فقالت له: یا صاحب رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلّم) إن لنا علیكم حقوقاً ومن حقنا علیكم أن إذا رأیتم أحدنا یهلك نفسه اجتهاداً تذكرونه الله تعالى وتدعونه إلى البقیا على نفسه. وهذا علی بن الحسین قد انخرم أنفه وثفنت جبهته وركبتاه وراحتاه إذ آبا منه لنفسه فی العبادة.

فأتى جابر باب علی بن الحسین فرأى على الباب أبا جعفر الباقر (علیه السّلام) فاستأذنه فی الدخول على أبیه. فدخل جابر على الإمام السجاد (علیه السّلام) وهو فی محرابه قد أنضته العبادة فنهض إلیه الإمام وسأله عن حاله وأجلسه إلى جنبه. فقال له جابر: یا بن رسول الله أما علمت أن الله خلق الجنة لكم ولمن أحبكم، وخلق النار لمن أبغضكم وعاداكم؟ فما هذا الجهد الذی كلفته نفسك؟ فقال علی بن الحسین: یا صاحب رسول الله: أما علمت أن رسول الله قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلم یدع الاجتهاد له وتعبد بأبی هو وأمی حتى انتفخ الساق وورم القدم. فقیل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.

فقال (صلّى الله علیه وآله وسلّم): أفلا أكون عبداً شكوراً. فلما نظر جابر إلى علی بن الحسین لا یقبل قول من یستمیله عن الجهد فی القصد، قال له یا بن رسول الله: البقیا على نفسك فإنك لمن أسرة بهم یستدفع البلاء ویستكشف اللأواء وبهم تستمطر السماء.

فقال (علیه السّلام) یا جابر لا أزال على منهاج أبوی متأسیاً بهما صلوات الله علیهما حتى ألقاهما. فأقبل جابر على من حضر وقال: والله ما رؤی فی أولاد الأنبیاء مثل علی بن الحسین إلا یوسف بن یعقوب. والله لذریة الحسین (علیه السّلام) أفضل من ذریة یوسف بن یعقوب وإن منهم لمن یملأ عدلاً كما ملئت جوراً(10).

قد نرى أن مثل هذه العبادة غریبة على الناس العادیین لكنها لیست بغریبة أبداً على مثل أهل البیت العابدین الزاهدین والطاهرین المنتجبین.

والإمام زین العابدین لیس بحاجة إلى الإطراء بكثرة صلاته فی الیوم واللیلة ألف ركعة(11)، ولا بمتابعة صیامه الذی قالت عنه مولاته: (ما فرشت له فراشاً بلیل قط ولا أتیته بطعام فی نهار قط)(12). وإنما ما یجب معرفته أنه (علیه السّلام) كان یقوم بهذه الأعمال العبادیة بحق الیقین سواء من ناحیة النیة المقصورة على تأهل المولى سبحانه للعبادة، لا من الخوف أو الرجاء كما سلف مثله عن جده أمیر المؤمنین وسید التقیین (علیه السّلام) الذی یقول: (إلهی ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً فی جنتك ولكنی وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك).

فالإمام السجاد یعبد الله تعالى كما یعبده أهل بیته كأنه یراه، ویخافه كأنه ینظر إلیه وجلال المهیمن وعظمته متجلیة لدیه فی كل الأحوال.

فلا غرو إذاً ما تتحدث به الرواة من الرهبة والخشیة التی تلفه عند المثول أمام المولى عز شأنه لأداء فریضة الصلاة فتضطرب أعضاؤه ویصفر لونه ولا یتحرك منه شیء إلا ما حركه الریح(13). وإذا قیل له فی ذلك یقول (علیه السّلام):

أتدرون إلى من أقوم ومن أرید أن أناجی(14)، إنی أرید أن أتأهب للقیام بین یدی ملك عظیم وإذا دخل فی الصلاة یصلی صلاة مودع لا یصلی بعدها(15).

صومه (علیه السّلام):

الصیام من أقوى الوسائل فی ریاضة النفس وتقویة الإرادة وتعوید النفس على الصبر. ونوجز القول: هو الرمز العملی بضبط النفس فی دین الله. لذلك كان من أركان الدین الإسلامی وطریقاً من طرق الوصول إلى حقیقة التقوى التی هی التعبیر العملی عن أخذ المسلم نفسه بالإسلام. قال سبحانه وتعالى: (یا أیها الذین آمنوا كتب علیكم الصیام كما كتب على الذین من قبلكم لعلكم تتقون) [سورة البقرة: الآیة 183]. والإمام زین العابدین كان شدید الاجتهاد فی العبادة، نهاره صائم ولیله قائم. قال الإمام الصادق (علیه السّلام): (كان علی بن الحسین شدید الاجتهاد فی العبادة، نهاره صائم ولیله قائم، فأضر ذلك بجسمه فقلت له: یا أبه كم هذا الدؤوب! فقال: أتحبب إلى ربی لعله یزلفنی)(16). وأثناء صیامه كان كریماً جداً كثیر الصدقات.

قال الإمام الصادق أیضاً (علیه السّلام):

(إنه كان علی بن الحسین إذا كان الیوم الذی یصوم فیه یأمر بشاة فتذبح وتقطع أعضاؤها وتطبخ فإذا كان عند المساء أكب على القدور حتى یجد ریح المرقة وهو صائم ثم یقول: هاتوا القصاع، أغرفوا لآل فلان حتى یأتی إلى آخر القدور، ثم یؤتى بخبز وتمر فیكون بذلك عشاؤه)(17).

وروى علی بن أبی حمزة عن أبیه، قال: (سألت مولاة لعلی بن الحسین (علیهما السّلام) بعد موته، فقلت: صفی لی أمور علی بن الحسین (علیه السّلام) فقالت: أطنب أو أختصر؟ فقلت: اختصری، قالت: ما أتیته بطعام نهاراً قط، ولا فرشت له فرشاً بلیل قط)(18).

حجه (علیه السّلام)

أمر الله المسلمین بفریضة الحج من استطاع وكان قادراً على أدائه. قال سبحانه وتعالى: (ولله على الناس حج البیت من استطاع إلیه سبیلاً ومن كفر فإن الله غنی عن العالمین)(19). والإمام السجاد كان یخرج إلى الحج ماشیاً وأحیاناً على ناقته، حج عشرین حجة وما فرعها بسوط.

قال سعید بن المسیب: (كان الناس لا یخرجون من مكة حتى یخرج علی بن الحسین فخرج وخرجت معه فنزل فی بعض المنازل فصلى ركعتین سبَّح فی سجوده فلم یبق شجر ولا مدر إلا سبحوا معه ففزعت منه فرفع رأسه فقال: یا سعید فزعت؟ قلت: نعم یا بن رسول الله، قال: هذا التسبیح الأعظم).

وروى سفیان قال: (أراد علی بن الحسین الخروج إلى الحج فاتخذت له أخته سكینة زاداً أنفقت علیه ألف درهم فلما كان بظهر الحرة سیرت ذلك إلیه، فلم یزل یفرقه على المساكین(20) وكان القراء لا یحجون حتى یحج زین العابدین (علیه السّلام) وكان یتخذ لهم السویق، الحلو والحامض، قال سعید بن المسیب: (ورأیته یوماً وهو ساجد، فوالذی نفس سعید بیده لقد رأیت الشجر والمدر، والرحل والراحلة یردون علیه مثل كلامه)(21).

وجاء فی حیاة الحیوان للدمیری قال: (إنه لما حج وأراد أن یلبی أرعد واصفرّ وخرّ مغشیاً علیه، فلما أفاق سئل عن ذلك، فقال: إنی لأخشى أن أقول: لبیك، اللهم لبیك فیقول لی: لا لبیك ولا سعدیك، فشجعوه، وقالوا: لا بد من التلبیة، فلما لبى غشی علیه حتى سقط عن راحلته وكان یصلی فی كل یوم ولیلة ألف ركعة، كان كثیر الصدقات وكان أكثر صدقته باللیل، وكان یقول: صدقة اللیل تطفئ غضب الرب)(22).

النصوص على خصوص إمامته:

ورد عن محمد بن مسلم، قال: (سألت الصادق، جعفر بن محمد، (علیهما السّلام) عن خاتم الحسین بن علی (علیهما السّلام) إلى من صار؟ وذكرت له أنی سمعت أنه أخذ من إصبعه فیما أخذ. قال (علیه السّلام): لیس كما قالوا، إن الحسین (علیه السّلام) أوصى إلى ابنه علی بن الحسین (علیه السّلام) وجعل خاتمه فی إصبعه، وفوض إلیه أمره. كما فعله رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلّم) بأمیر المؤمنین (علیه السّلام) وفعله أمیر المؤمنین بالحسن (علیه السّلام) وفعله الحسن بالحسین (علیه السّلام) ثم صار ذلك الخاتم إلى أبی (علیه السّلام) بعد أبیه ومنه صار إلیّ فهو عندی وإنی لألبسه كل جمعة وأصلی فیه قال محمد بن مسلم: فدخلت إلیه یوم الجمعة وهو یصلی، فلما فرغ من الصلاة مد إلیّ یده فرأیت فی إصبعه خاتماً نقشه: لا إله إلا الله عدة للقاء الله، فقال: هذا خاتم جدی أبی عبد الله الحسین بن علی (علیه السّلام)(23).

وجاء عن أبی جعفر الباقر (علیه السّلام) قال: إن الحسین (علیه السّلام) لما حضره الذی

حضره دعا ابنته فاطمة الكبرى فدفع إلیها كتاباً ملفوفاً ووصیة ظاهرة، وكان علی بن الحسین مریضاً لا یرون أنه یبقى فلما قتل الحسین (علیه السّلام) ورجع أهل بیته إلى المدینة دفعت فاطمة الكتاب إلى علی بن الحسین، ثم صار ذلك الكتاب والله إلینا یا زیاد(24).

وروى الزهری عن عبید الله بن عبد الله بن عتبة قال: كنت عند الحسین بن علی (علیهما السّلام) إذ دخل علی بن الحسین الأصغر فدعاه الحسین وضمه إلیه ضماً، وقبل ما بین عینیه، ثم قال: بأبی أنت وأمی ما أطیب ریحك، وأحسن خلقك.

قال: فتداخلنی من ذلك فقلت: بأبی أنت وأمی یا بن رسول الله إن كان ما نعوذ بالله أن نراه فیك فإلى من؟ قال: علی ابنی هذا هو الإمام ابو الأئمة. قلت: یا مولای هو صغیر السن؟ قال: نعم، إن ابنه محمد یؤتم به وهو ابن تسع سنین ثم یطرق قال: ثم یبقر العلم بقراً(25).

وجاء فی المصدر نفسه:

سأل رجل الحسین (علیه السّلام): أخبرنی عن عدد الأئمة بعد رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلّم).

فقال (علیه السّلام): اثنا عشر، عدد نقباء بنی إسرائیل فقال: فسمهم لی؟

فأطرق الحسین (علیه السّلام) ثم رفع رأسه فقال: نعم یا أخ العرب إن الإمام والخلیفة بعد رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلّم) علی بن أبی طالب، والحسن وأنا وتسعة من ولدی منهم علی ابنی، وبعد ابنه محمد الخ...(26).

وقد شهدت نصوص كثیرة متواترة على إمامة السجاد وأنه الحجة على الأمة بعد أبیه سید الشهداء (علیه السّلام) فیروی أبو خالد الكابلی عن علی بن الحسین أن أباه الحسین قال له: دخلت على رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلّم) فرأیته مفكراً فقلت له: مالی أراك مفكراُ؟ قال: إن الأمین جبرائیل أتانی وقال: العلی الأعلى یقرؤك السلام ویقول قد قضیت نبوتك واستكملت أیامك فاجعل الاسم الأعظم وآثار علم النبوة عند علی بن أبی طالب فإنی لا أترك الأرض إلا وفیها عالم یعرف به طاعتی وولایتی وإنی لم أقطع علم النبوة من الغیب من ذریتك كما لم أقطعها من ذریات الأنبیاء الذین كانوا بینك وبین أبیك آدم ذكر أسماء الأئمة القائمین بالأمر بعد علی بن أبی طالب وهم: الحسن والحسین أولهم ابنه علی وآخرهم الحجة بن الحسن(27). وقد سئل الإمام أبو جعفر الباقر بم یعرف الإمام؟ قال (علیه السّلام): یعرف بالنص علیه من الله تعالى ونصبه علماً للناس حتى یكون علیهم حجة وقد نصب رسول الله علیاً (علیه السّلام) وعرف الناس باسمه وعینه لهم وكذلك الأئمة ینصب الماضی من یكون بعده ویعرف الإمام بأن یسأل فیجیب ویبتدئ إن سكت الناس عنه ویخـــبرهم بما یكون فی غـــد بعهد واصل إلیه من رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلّم) وذلك بــما نزل به جبرائیل من أخبار الحوادث الكائنة إلى یوم القیامة(28).

وتابع الإمام الباقر بقوله:

(نحن منبت الرحمة وشجرة النبوة ومعدن الحكمة ومصابیح العلم وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وموضع سر الله فی عباده وحرمه الأكبر وعهده المسؤول عنه، فمن أوفى بعهد الله فقد وفى، ومن خفره فقد خفر ذمة الله وعهده فعرفنا من عرفنا وجهلنا من جهلنا نحن الأسماء الحسنى التی لا یقبل الله من العباد عملاً إلا بمعرفتنا ونحن والله الكلمات التی تلقاها آدم من ربه فتاب علیه بالرأفة والرحمة ووجهه الذی منه یؤتى وبابه الذی یدل علیه وخزان علمه وتراجمة وحیه وأعلام دینه والعروة الوثقى والدلیل الواضح لمن اهتدى وبنا أثمرت الأشجار وأینعت الثمار وجرت الأنهار ونزل الغیث من السماء ونبت عشب الأرض. وبعبادتنا عبد الله ولولانا ما عرف الله وأیم الله لولا وصیة سبقت وعهد أخذ علینا لقلت قولاً یعجب منه الأولون والآخرون)(29).

ثم إن الإمامة خلافة وهی من المولى سبحانه وسر من أسراره أوحى بها إلى نبی الأمة لیعرفهم القائم من بعده ومن یجب الركون إلیه وأخذ معالم الدین منه وقد أودعها المهتمین جل شأنه فی ذریة الرسول الأعظم بعد أن طهرهم من الرجس والریب وزكاهم من العیب وارتضاهم أعلاماً لعباده یسلكون بهم لأحب الطریق. كل ذلك لترفع الضغائن وتتم معرفة المعبود تعالى وتعقد صلات التآخی وتتم أنظمة الحیاة.

وجاء فی المصدر نفسه عن الشیخ الطوسی قال:

(وفی لیلة وفاته (صلّى الله علیه وآله وسلّم) دعا أمیر المؤمنین علیاً (علیه السّلام) وقال له: یا أبا الحسن أحضر صحیفة ودواة ثم أملى رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلّم) وصیته حتى انتهى إلى بیان الخلفاء من بعده فقال: یا علی سیكون من بعدی اثنا عشر إماماً فأنت یا علی أولهم سماك الله فی سمائه علیاً المرتضى وأمیر المؤمنین والصدیق الأكبر والفاروق الأعظم والمأمون فلا تصلح هذه الأسماء لأحد غیرك إلى أن قال: وأنت خلیفتی على أمتی من بعدی فإذا حضرتك الوفاة فسلمها إلى ابنی الحسن البر الوصول فإذا حضرته الوفاة فلیسلمها إلى ابنی الحسین الشهد الزكی المقتول، فإذا حضرته الوفاة فلیسلمها إلى ابنه علی (سید العابدین ذی الثفنات) فإذا حضرته الوفاة فلیسلمها إلى ابنه محمد الباقر (باقر العلم) فإذا حضرته الوفاة فلیسلمها جعفر الصادق فإذا حضرته الوفاة فلیسلمها إلى ابنه موسى الكاظم فإذا حضرته الوفاة فلیسلمها إلى ابنه الرضا فإذا حضرته الوفاة فلیسلمها إلى ابنه محمد الثقة التقی فإذا حضرته الوفاة فلیسلمها إلى ابنه علی الناصح فإذا حضرته الوفاة فلیسلمها إلى ابنه الحسن الفاضل فإذا حضرته الوفاة فلیسلمها إلى ابنه محمد المستحفظ من آل محمد)(30).

إن الوصیة أمر محتوم على كل مسلم یوصی بها قبل وفاته لأشخاص أمناء یثق بهم ویسجل كل ما یهمه أمره لكی ینفذ بعد أم یتوفاه الله عز وجل. والنبی (صلّى الله علیه وآله وسلّم) هو أولى بالمؤمنین من أنفسهم فهل یمكن أن تحضره الوفاة ویبقى ساكتاً دون أن یوصی أمر الخلافة لأناس ثقاة علماء أمناء ینفذون الوصیة بحذافیرها كما نص علیها خاتم النبیین والرسل, وكلنا یعلم مدى أهمیة هذه الرسالة الإنسانیة العظیمة وأهمیة نشرها بین عباد الله وشرحها وتعلیمها. إنها الرسالة الإلهیة التی تصلح شؤون العباد فی حیاتهم الفردیة وفی حیاتهم الاجتماعیة، كما تصلح شؤون العباد فی كل زمان ومكان ومن جمیع أمم الأرض. والله سبحانه وتعالى أعلم أین یوضع رسالته فقد كلف الأئمة المعصومین معدن الحكمة ومنبت الرحمة ومصابیح العلم وموضع سره فی حرمه الأكبر.

هؤلاء قال فیهم الأدباء وتغنى بمجدهم الشعراء ونطق بفضلهم العلماء.

من هؤلاء قال الشیخ إبراهیم یحیى العاملی من قصیدة مدح بها الإمام زین العابدین قال:

ما غـــــاب عن أفــــق الشریعة كوكب          إلا وجــــــــاء بـــكـــــوكــــب وقــــــاد

إن المهیمـــــن لیــــس یــــخلی أرضه          مــــــن حـــــــجة متــــــستر أو بـــــاد

لولا إمام الحـــــق مــــا بقــــی الورى          والجــســـــم لا یـــــــبقى بغـــــیر فؤاد

كن كیــــف شـــئت فقد أصبت هدایتی          بهداهــــــم وبــــــلغت كـــــــــل مرادی

ما ضـــــرنی أن ضل عن طرق الهدى          غیـــــــری إذا كــــتب الإلــــه رشادی

مــــــن صُدّ عن عین الحیاة ومات من          ظمأ فلا سقیت عظام الصـادی(31)

وإلى هذه الظاهرة أشار الشیخ المفید فی كتابه الإرشاد كلمة ثمینة حیث قال: (كان الإمام علی بن الحسین أفضل خلق الله بعد أبیه علماً وعملاً فهو أولى بأبیه وأحق بمقامه من بعده بالفضل والنسب والأولى بالإمام الماضی أحق بمقامه من غیره بدلالة آیة ذوی الأرحام وقصة زكریا (علیه السّلام.

قبسات من أخلاقه ومناقبیته:

جاء فی طبقات ابن سعد أن علی بن الحسین (علیه السّلام) كان ثقة مأموناً، كثیر الحدیث، عالیاُ، رفیعاً، ورعاً.

وروى الشیخ الصدوق قال: قلت لمحمد بن شهاب الزهری: لقیت علی بن الحسین؟ قال: نعم لقیته وما لقیت أحداً أفضل منه والله ما علمت له صدیقاً فی السر ولا عدواً فی العلانیة، فقیل له: وكیف ذلك، فقال لأنی لم أر أحداً وإن كان یحبه إلا وهو لشدة معرفته بفضله یحسده، ولا رأیت أحداً وإن كان یبغضه إلا وهو لشدة مداراته له یداریه.

وكان الإمام السجاد یقدر العلم والعلماء سواء أكان أحدهم رفیعاً فی أعین الناس أم كان غیر رفیع ما دام عنده علم ینتفع به الناس، وإذا دخل المسجد یتخطى الناس حتى یجلس إلى جانب رجل متواضع اسمه زید بن أسلم، فقال له نافع بن جبیر عاتباً: غفر الله لك أنت سید الناس تتخطى خلق الله وأهل العلم وقریشاً حتى تجلس مع هذا العبد الأسود، فقال له الإمام (علیه السّلام): (العلم یقصد حیث كان) وكأنه یقصد إلى الحكمة القائلة: (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها) والإنسان فی أی زمان لا یهمه القائل بقدر ما یهمه القول الصادر عن أی لسان.

أجمع المؤرخون على أن الإمام زین العابدین قد انصرف إلى العبادة والعلم والدراسة والتعلیم لأنه وجد فی ذلك غذاء لروحه وسلوة لقلبه وأنساً لنفسه. وإلى جانب انصرافه إلى نشر العلم والفقه كان رحیماً بالناس وجواداً سخیاً وخلوقاً حلیماً.

روى الكلینی فی الكافی قال: (ما تجرعت جرعة أحب إلی من جرعة غیظ لا أكافئ بها صاحبها، ووقف علیه رجل من بنی عمومته فاسمعه كلاماً مراً وشتمه، فلم یكلمه، فلما انصرف قال لجلسائه: قد سمعتم ما قال هذا الرجل، وأنا أحب أن تبلغوا معی حتى تسمعوا ردی علیه، فمضوا معه وهو یقول: والكاظمین الغیظ والعافین عن الناس والله یحب المحسنین. فخرج الرجل متوثباً للشر وهو لا یشك أنه إنما جاءه مكافیاً له على بعض ما كان منه، فقال له الإمام زین العابدین: یا أخی إنك كنت قد وقفت علی آنفاً وقلت ما قلت فإن كنت قد قلت ما فیّ فأنا أستغفر الله منه، وإن كنت قد قلت ما لیس فیّ فغفر الله لك، فأقبل علیه الرجل معتذراً وقال: لقد قلت ما لیس فیك وأنا أحق به.

وقال الرواة فی مناقبه قال الشبلنجی: (خرج یوماً من المسجد فلقیه رجل فسبه وبالغ فی سبه وأفرط، فعاد إلیه العبید والموالی فكفهم عنه وأقبل علیه وقال له: ما ستر عنك من أمرنا أكثر، ألك حاجة نعینك علیها؟ فاستحى الرجل، فألقى علیه حمیصه(32) وألقى علیه خمسة آلاف درهم فقال: أشهد أنك من أولاد المصطفى).

ویروی عنه الرواة الكثیر عن حلمه وسماحته منها: إن جاریة له كانت تحمل إبریقاً وتسكب الماء لوضوئه فسقط من یدها على وجهه فشجه وسال دمه فرفع رأسه إلیها لائماً، فقالت له الجاریة: إن الله یقول: والكاظمین الغیظ، فقال: قد كظمت غیظی. فقالت: والعافین عن الناس، فقال: عفا الله عنك، فقالت: والله یحب المحسنین، فقال: أنت حرة لوجه الله.

وعن كرمه (علیه السّلام) روى الواقدی قال: إن هشام بن إسماعیل بن هشام بن الولید المخزومی كان والیاً على المدینة لعبد الملك بن مروان وقد أساء جوار الإمام ولحقه منه أذى شدید، فلما توفى عبد الملك عزله الولید بن عبد الملك وأوقفه للناس لكی یقتصوا منه، فقال: والله إنی لا أخاف لا من علی بن الحسین، فمر علیه الإمام وسلم علیه وأمر خاصته أن لا یتعرض له أحد بسوء، وأرسل له: إن كان أعجزك مال تؤخذ به فعندنا ما یسعك ویسد حاجتك فطب نفساً منا ومن كل من یطیعنا فقال له هشام بن إسماعیل: الله أعلم حیث یجعل رسالته.

هكذا كان یعامل الإمام السجاد خصومه، یعاملهم حسب ما تملی علیه أخلاقه العالیة وصفاته النبیلة ومناقبه الكریمة. من ذلك ما صنعه مع مروان بن الحكم ألد أعداء أهل البیت وهو الذی أشار على الولید بقتل الإمام الحسین (علیه السّلام) سید الشهداء، وبقی إلى جانب معاویة یتتبع أهل البیت بالإساءة والأذى وینكل بهم وبشیعتهم بكل ما لدیه من وسائل خبیثة. ومع كل ذلك فقد صنع معه كما صنع مع هشام بن إسماعیل وبالغ بالإحسان إلیه كما بالغ هو بالإساءة إلیه. وذلك یوم ثار أهل المدینة على الأمویین وضیقوا علیهم ولم یعد لهم ملجأ بها فضاقت الأمور بمروان بن الحكم إلى أبعد حد، مما دعاه إلى استعطاف أبناء المهاجرین والأنصار لأنه لم یجد من یحمی له عیال الأمویین ونساؤهم ویمنع عنهم الثائرون المتربصین الشر بهم فی كل حین غیر الإمام علی بن الحسین (علیه السّلام) الذی ضم عیال مروان إلى عیاله وعاملهم بما كان یعامل به أسرته وعیاله.

فإذا كان ذلك غریباً وبعیداً عن أخلاق الناس العادیین وطبائعهم فلیس بغریب ولا بعید على من اختارهم الله وخصهم بالكرامة والعصمة وجعلهم فوق مستوى البشر فی مواهبهم وأخلاقهم وجمیع صفاتهم وأعمالهم. إن أخلاق الإمام السجاد من أخلاق أبیه الإمام الحسین وأخلاق جدیه الإمام علی بن أبی طالب، أمیر المؤمنین وإمام المتقین، ومحمد بن عبد الله خاتم النبیین الرسول الأكرم (صلّى الله علیه وآله وسلّم). فجده الإمام علی (علیه السّلام) عفا عن مروان الذی قاد الجیوش لحربه فی البصرة فبعد أن ظفر به ووقع أسیراً فی قبضته تركه وأطلق سراحه مع علمه بأنه سینضم إلى معاویة ویحاربه فی صفین وبعد أن استتب الأمر لمعاویة واختاره والیاً على المدینة كان یؤذی الإمام الحسن (علیه السّلام) وكانت مجزرة كربلاء من أغلى أمانیه. ومع كل هذه السیئات وهذه الإساءات عفا عنه بعد أن وقع فی قبضة یده. ثم قال حكمته: (إذا ظفرت بعدوك فلیكن العفو أحلى الظفرین).

وجده الأكرم رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلّم) عفا عن رأس الشرك أبی سفیان بعد أن ظفر به، كما عفا عن زوجته هند بنت عتبة وأحسن إلیها بعد عملها الشنیع، عندما شقت بطن الحمزة البطل المؤمن الصندید واستخرجت كبده ونهشتها بأسنانها وحملتها إلى مكة تتشفى بالنظر إلیها. وعفا (صلّى الله علیه وآله وسلّم) أیضاً عن والد مروان الحكم عندما ظفر به فی مكة وقد كان یؤذیه ویسیء إلیه بشتى أنواع الإساءة. وبعد أن أظهر الإسلام بعد فتح مكة كان یستهزئ به ویفتری علیه. لكن النبی (صلّى الله علیه وآله وسلّم) اكتفى بنفیه مع ولده إلى الطائف كما عفا عن جمیع مشركی مكة وجبابرتهم الذین وقفوا فی وجه الدعوة الإسلامیة المباركة، وعن كل من كان یسیء إلیه وقال عندها كلمته المشهورة: (إذهبوا فأنتم الطلقاء) فلیس غریباً إذا أحسن الإمام زین العابدین لمن أساء إلیه. فهو من سلالة أهل البیت الذین أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهیراً.

أما عن كرمه (علیه السّلام) فالروایات كثیرة لا تحصى نذكر بعضاً منها.

روى الصدوق عن سفیان بن عیینة أن محمد بن شهاب الزهری رأى علی بن الحسین (علیه السّلام) فی لیلة باردة وعلى ظهره دقیق یسعى به إلى جماعة. فقال له: یا بن رسول الله ما هذا؟ أجابه: أرید سفراً أعدوت له زاداً أحمله إلى موضع حریز، قال: فهذا غلامی یحمله عنك، فأبى علیه الإمام (علیه السّلام) فقال: دعنی أحمله عنك فإنی أرفعك عن حمله. فقال (علیه السّلام): لكنی لا أرفع نفسی عما ینجینی من سفری ویحسن ورودی على ما أرد علیه أسألك بحق الله لما مضیت لحاجتك وتركتنی. فلما كان بعد أیام لقیه ابن شهاب وقال: یا بن رسول الله لست أرى لذلك السفر الذی ذكرته أثراً، قال (علیه السّلام): بلى یا زهری لیس هو كما ظننت ولكنه الموت وله استعد، إنما الاستعداد للموت تجنب الحرام وبذل الندى فی الخیر.

وهكذا كان یعمل دائماً، یطرق بیوت الفقراء وهو مثلهم وأكثرهم كانوا یقفون على أبواب بیوتهم ینتظرونه فإذا رأوه تباشروا به وقالوا: جاءنا صاحب الجراب.

وروى عنه أبو نعیم أنه كانت بیوت فی المدینة كثیرة تعیش من صدقات علی بن الحسین (علیه السّلام) ولا تدری من هو فاعل الخیر هذا؟ فلماتوفاه الله فقدوا ما كان یأتیهم فعلموا بأنه هو الذی كان یعیلهم، وقالوا: ما فقدنا صدقة السر حتى فقدنا علی بن الحسین زین العابدین. روى الصدوق عن الإمام الباقر أنه كان یعول مائة بیت فی المدینة. وكان إذا جاءه سائل یقول: مرحباً بمن یحمل زادی لیوم القیامة ولا یأكل طعاماً حتى یتصدق بمثله.

وروى ابن طاووس عن الإمام الصادق (علیه السّلام) إن علی بن الحسین إذا دخل شهر رمضان لا یضرب عبداً له ولا أمة وإذا أذنب عبد له أو أمة یسجل ذلك علیهم، فإذا كان آخر لیلة من شهر رمضان دعاهم وجمعهم حوله ثم یعرض علیهم سیئاتهم فیعترفون بها... ثم یقف بینهم ویقول: ربنا إنك أمرتنا أن نعفو عمن ظلمنا وقد عفونا كما أمرت فاعف عنا فإنك أولى بذلك منا ومن المأمورین ثم یقبل علیهم ویقول: لقد أعتقت رقابكم طمعاً فی عفو الله وعتق رقبتی من النار. فإذا كان یوم العید أجازهم بجوائز تصونهم وتغنیهم عما فی أیدی الناس. وكان یقول:

(إن لله تعالى فی كل لیلة من شهر رمضان سبعین ألف عتیق من النار فإذا كان آخر لیلة منه أعتق الله فیها مثلما أعتق فی جمیعه، وإنی لأحب أن یرانی الله وقد أعتقت رقاباً فی ملكی فی دار الدنیا رجاء أن یعتق رقبتی من النار.

مهابته وكراماته:

كان الإمام علی زین العابدین مهاباً معظماً عند الناس جمیعاً، له مكانة خاصة فی قلوبهم ومركز محتوم ومرموق عند الخلفاء والولاة من أی فریق كان. یدخل علیهم لیجلونه ویحترمونه حتى الذین یحقدون علیه. دخل مرة على عبد الملك بن مروان وكان حاقداً علیه یدبر له المكاید فی الخفاء، فلما نظر إلیه مقبلاً وعلیه مهابة أبیه وجدیه، قام إلیه وأجلسه إلى جنبه وأكرمه فسأله الناس كیف تم له ذلك وهم یعلمون ما یكن فی قلبه من حقد على الإمام (علیه السّلام) فقال: لما رأیته امتلأ قلبی رعباً.

ومرة أخرى دخل على مسلم بن عقبة والی المدینة فلما نظر إلیه یتجلى مهابة وعظمة قال: لقد ملئ قلبی منه خیفة.

هذا التقدیر للإمام السجاد یعود إلى ما تتحلى به شخصیته من صفات خاصة ممیزة، فعلم غزیر فی جمیع العلوم والمعارف الإنسانیة وأخلاق كریمة ونبل وعفة وشهامة، وكرم وسخاء إلى كل معوز ومحتاج من عدو وصدیق، وشجاعة نادرة فی أحرج المواقف وأصعبها، وفقه وورع وتقى فی سبیل الله، وصبر وكظم الغیظ من أجل رضى الله. ولا ریب أنه من كان مع الله فإن الله معه. جاء فی روایة السبكی فی طبقات الشافعیة أن هشام بن عبد الملك حج فی بعض السنین فجهد أن یصل إلى الحجر الأسود عند الطواف فلم یقدر علیه من كثرة الزحام فنصب له من كان معه منبراً فی ناحیة من نواحی الحرم وجلس علیه ینظر إلى الناس حتى یخف الزحام عن الحجر لیلمسه، ووقف حوله أهل الشام. فی هذه الأثناء أقبل الإمام علی زین العابدین (علیه السّلام) وكان من أحسن الناس وجهاً وأطیبهم أرجاً على حد تعبیر السبكی فطاف فی البیت فلما بلغ الحجر انفرج له الناس عنه وأفسحوا له المجال ووقفوا إجلالاً له وتعظیماً حتى إذا استلم الحجر وقبله والناس ینظرون إله واجمین. فلما مضى عنه عادوا إلى طوافهم.

هذا وهشام بن عبد الملك ومن معه من أهل الشام یرون كل ذلك ونفس هشام تتحرق غیظاً وحسداً. التفت رجل من أهل الشام وسأل هشام بن عبد الملك: من هذا الذی قد هابه الناس هذه المهابة. فقال هشام: لا أعرفه!! مخافة أن یرغب فیه أهل الشام. وكان الفرزدق الشاعر حاضراً، فقال: أنا أعرفه، فقال الشامی: ومن هو یا أبا فراس؟ فقال الفرزدق ومضى فی وسط تلك الجموع المحتشدة یقول على البدیهة:

هــــذا الذی تعــــــرف البطحاء وطأته          والبــــــیت یــــــعرفه والحـــل والحرم

هذا ابن خـــــیر عبــــاد الله كــــــــلهم          هذا التقى النـــــقی الــــــطاهر الـــعلم

إذا رأتـــــه قــــــریش قـــــال قـــائلها:          إلى مــــــكارم هــــــذا یــــنتهی الكرم

ینــــمى إلى ذروة العــــز التی قصرت          عـــــن نــــــیلها عرب الإسلام والعجم

یكـــــاد یمـــسكه عـــــــرفان راحــــته          ركن الحـــــــطیم إذا مـــــا جاء یستلم

یغــــــضی حــــیاءً ویغضىمن مهابته          فمــــــا یـــــكلم إلا حیــــــن یـــــــبتسم

مــــــن جـــــده دان فـــضل الأنبیاء له          وفضــــــل أمتــــــه دانــــــت لـه الأمم

ینــــــشق نـــور الهدى عن نور غرته          كالشمـــس ینجاب عن إشراقها الظلم

مشتـــــقة مـــــن رســــــول الله نبعته          طابت عــــناصره والخـــیم والشــــــیم

هــــــذا ابــــــن فاطمة إن كنت جاهله          بجده أنبــــــیاء الله قـــــد خـــــــتـــموا

الله شــــــرفه قـــــــدماً وفـــــــــضـــله          جـــــرى بــــذاك لـــه فی اللوحة القلم

فلـــــــیس قــــــولك: مــن هذا بضائره          العرب تعـــــرف مــــن أنكرت والعجم

كلـــــــتا یـــــــدیه غــــیاث عمّ نفعهما          یُســـــتوكفان ولا یــــــعروهما العـــدم

سهـــــــل الخــــلیقة، لا تخشى بوادره          یزیـــــنه اثــنان: حسن الخلق والكرم

حمّــــــال أثـــــقال أقـــــــوام إذا قدحوا          حلــــــو الشــــــــمائل تحـلو عنده نعم

لا یخـــــلف الـــــوعد میــــمون نقیبته          رحب الفــــــناء أریـــــــب حین یعتزم

مـــــــا قــــــال لا قــــط: إلا فی تشهده          لولا التــــــشهد كـــــــانت لاؤه نــــــعم

عــــــم البــــــریة بـــالإحسان فانقلعت          عنه الغیـــــــابة والامـــــــلاق والعـدم

مــــــن مـــــعشر حبهم دین، وبغضهم          كفـــــر وقــــــربهم منـــــجى ومعتصم

إن عــــــد أهـــــل التـقى كانوا أئمتهم          أو قیل من خــیر أهل الأرض قیل: هم

لا یـــــــستطیع جــــــواد بـــعد غایتهم          ولا یــــــدانیــــــهم قــــــوم وإن كرموا

هـــــم الغیــــــوث إذا مكا أزمة أزمت          والأســـــد أسد الشرى والبأس محتدم

لا ینــــــقص العسر بـــسطاً من أكفهم          سیّان ذلـــك إن أثـــــــروا وإن عـدموا

یستــــــدفع الســــــوء والبلوى بحبهم          ویســــــتزاد بــــــه الإحــــسان والنعم

مقدّم بــــــعد ذكــــــر الله ذكـــــــرهـــم          فی كل بـــــــدء ومخــــــتوم بــه الكلم

یــــــأبى لـــــهم أن یـحل الذم ساحتهم          خیر كــــــریم وأیـــــد بالــــندى هضم

أی الخـــــــلائق لیــــــست فـی رقابهم          لأولــــــیـــــــة هــــــــذا أولــــــــه نعم

مـــــــن یـــــــعرف الله یعرف أولیة ذا          والدین من بیت هذا ناله الأمم(33)

لقد كانت هذه القصیدة صفعة قاسیة على هشام نزلت على رأسه كالصاعقة، تحدى بها الفرزدق سلطان أولئك الحكام الجبابرة المعتزین بملكهم وجیوشهم وأموالهم وقصورهم ولكن فاتهم أن كل ذلك لم یغنهم شیئاً فی ذلك الموقف الذی تتدافع فیه الجماهیر من كل حدب وصوب متسابقة للمس الحجر الأسود حتى إذا أقبل الإمام زین العابدین (علیه السّلام) وقف له الناس إجلالاً وتعظیماً وأفرجوا له الطریق واستلم الحجر وقبله بكل یسر. ولما قضى الإمام حاجته وترك المكان عاد الناس یتسابقون ویتدافعون؛ هذا وأهل الشام ینظرون إلى هذا المشهد الغریب وینتظرون من یعرفهم بذلك الشاب الذی هابه الناس وعظموه بعد أن تجاهله خلیفتهم وظهر مخجولاً أمام أهل الشام، بعد أن كان یزعم لهم أنه هو وأسلافه الأمویون هم آل الرسول الذی أمر الله بمودتهم وما كان یتوقع هذه الصفعة القویة من أبی فراس.

یقول الرواة إن هشام بن عبد الملك لما سمع هذه القصیدة غضب على الفرزدق وأمر بحبسه بمكان یدعى عسفان، بین مكة والمدینة وأوصى بالتضییق علیه، وأضاف الرواة أنه لما بلغ علی بن الحسین امتداحه أرسل له ألف دینار فردها الفرزدق وقال للرسول: إنی لم أقل ما قلت إلا غضباً لله تعالى لا للعطاء ولا آخذ على طاعة الله أجراً. فأعادها الإمام إلیه (علیه السلام) وأرسل إلیه: نحن أهل البیت إذا وهبنا شیئاً لا نستعیده. فقبلها الفرزدق وبقی فی حبس هشام مدة من الزمن وأخیراً هجاه بقصیدة قال فیها:

أیــــحســــبنی بین المدینة والتی          إلیهــــا قلوب الناس تهوی منیبها

یقلــــب رأســاً لم یكن رأس سید          وعــــیـــناً لـــه حـولاء باد عیوبها



نگارش در تاریخ دوشنبه 17 آبان 1395 توسط سیدعبداللطیف صُبــاح الموسوی | اکتب تعلیقا ()
درباره وبلاگ
موضوعات
آخرین مطالب
جستجو
آرشیو مطالب
نظر سنجی
نظر شما در مورد وبلاگ من چیه؟






نویسندگان
پیوند ها
پیوند های روزانه
آمار سایت
بازدیدهای امروز : نفر
بازدیدهای دیروز : نفر
كل بازدیدها : نفر
بازدید این ماه : نفر
بازدید ماه قبل : نفر
تعداد نویسندگان : عدد
كل مطالب : عدد
آخرین بازدید :
آخرین بروز رسانی :


دانلود اهنگ

دانلود

دانلود رایگان

دانلود نرم افزار

دانلود فیلم

دانلود

شادزیست

قالب وبلاگ

لیمونات

شارژ ایرانسل

تک باکس

دانلود نرم افزار